رمال الصحراء في مصر ساونا وعلاج طبيعي تنتشر في الصحارى العربية أنواع مختلفة من الرمال التي تمتاز ‏بتركيبتها الكيميائية الفريدة ويلجأ إليها بعض المرضى أملا في الشفاء من خلال تغطية أجسامهم بالرمال في ما يعرف بـ”حمامات الرمال الساخنة”. وشاع عن تلك الرمال أنها مفيدة ‏‏للتخلص من أمراض العظام أو أمراض الروماتيزم وكذلك الصدفية، كما أنها تعمل على تجميل البشرة وخفض الوزن. إلا أن عملية دفن الجسم بحد ذاتها تثير رعب بعض المرضى، فيما سخونة الرمال تمنعهم من إكمال مدة العلاج، لذا فإن هذا الأسلوب العلاجي يحتاج لمرضى صبورين قادرين على تحمل الحرارة. وتشتهر واحة سيوة من بين أماكن عديدة تقام فيها حمامات الرمل لمرضى الروماتيزم وآلام المفاصل وغيرهما.

عودة إلى أحضان الطبيعة

سيوة (مصر) - في الوقت الذي يلجا فيه أغلب الناس إلى الشواطئ صيفا لاتقاء لهيب الحرارة يخيّر آخرون التوجه إلى الصحارى، حيث الرمال الساخنة مع بداية موسم الدفن في الرمال، كما يطلق عليه في واحة سيوة المصرية التي تبعد نحو 900 كيلومتر عن محافظة القاهرة، بداية من منتصف يوليو ويستمر حتى منتصف شهر سبتمبر لينتهي الموسم مع بداية انخفاض درجات الحرارة في فصل الخريف.

وتفتح الواحة الخلابة أبوابها لأبناء مصر من المحافظات والمدن كافة، بالإضافة إلى الزائرين من الدول العربية ومن حول العالم لأجل السياحة العلاجية التي تُعرف بها سيوة خلال هذه الفترة من كل عام.

وتشتهر سيوة بسبعة أماكن يتم فيها القيام بحمامات الرمل لمرضى الروماتيزم والروماتويد وآلام المفاصل وغيرها، وتقع جميعها بمنطقة يطلق عليها اسم جبل الدكرور، حيث يتم تجهيز حمامات الرمل ويخرج الزائر من خيمته مباشرة إلى المكان ليتم دفنه في الرمال عدا وجهه، في عملية لا تتجاوز النصف ساعة لمدة 3 أو 7 أيام كلّ بحسب حالته الصحية.

ويقول أحمد عبدالله، أحد العاملين بحمامات الرمال في سيوة، “رمال الصحراء لها أسرار وفوائد كثيرة، من ضمنها أنها علاج فعال للكثير من الأمراض المستعصية”.

ويضيف، “في صحراء مصر هناك أنواع متعددة من الرمال ولكل نوع خاصيته ومزاياه التي تفيد في علاج أمراض بعينها بطرق بسيطة نتوارثها جيلا بعد جيل منذ زمن الفراعنة، وهي مهنة يعرف أهميتها الأطباء ويعتبرونها أحد أنواع الطب البديل الذي يعتمد على الطبيعة في العلاج”.

ويقول العاملون في مجال العلاج بالرمال إن هناك من يأتي إلى سيوة ليقوم بحمام رمل بغرض الشفاء من علة أصابته، وهناك من يلجأ إلى هذه الطريقة بغرض الاستمتاع بلذة الحرارة التي تحتويها حبات الرمل الساخنة بفعل أشعة الشمس، حيث تمنح الجسد قوة وطاقة لا يشعر بهما إلا من تعرض للدفن في الرمال ولو لمرة واحدة.

خبرة كبيرة في الميدان دون شهادات

 

 

خطوات العلاج

 

رغم أن العاملين في العلاج بالرمل في مصر لم يدرسوا علوم الطب والتمريض، إلا أنهم يتفقون في طريقة العلاج التي تعلموها بالوراثة عن الآباء والأجداد.

ويقول أحمد حسن، الذي اختار العمل في الصحراء لمداواة المرضى بالرمال رغم أنه حاصل على ليسانس في الحقوق، إنه يشترط في المريض أن يتناول فطوره في الساعة العاشرة صباحا أي قبل أن تتم عملية ردمه بثلاث ساعات على الأقل حيث يشترط ألا تكون المعدة فارغة ولا ملآنة ثم نقوم بإعداد حفرة عمقها ملائم لجسم المريض، قبل عملية الردم بعدة ساعات في منطقة الكثبان الرملية القريبة من جبل الدكروري حتى تتعرض (الحفرة) للأشعة فوق البنفسجية وتتفاعل مع الكثبان الرملية.

ويقول المعالج بالرمال سعيد الطيب “نلف جسم المريض بقماش أبيض بعدما ينزع كامل ثيابه كي يستفيد جسمه من حرارة الرمال، ثم نلف فوقه رداء خشنا يوازن بين حرارة الرمل وحرارة الجسم، وبعد أن يستلقي في الحفرة ونطمئن إلى وضعه، نغطي كامل الجسم بالرمل ما عدا الوجه، ونحرص على أن تكون كمية الرمال الموضوعة فوق الجسد متوسطة تفي بغرض العلاج، وألا تكون حملا ثقيلا على قلبه وقدرته على التنفس الطبيعي، ثم نضع فوق الوجه مظلة لوقايته من أشعة الشمس”.

ويتابع “نترك المريض لنحو ساعة نظل خلالها نراقبه عن قرب حتى إذا شعر باختناق أو ضيق نزيح الرمال عنه بسرعة حتى ولو كانت الفترة التي قضاها تحت الرمل قصيرة، فبعض الناس يبدي رغبة كبيرة في الدفن للتخلص من أمراضه، لكنه ما إن يوضع في الحفرة حتى تقل عزيمته بسبب شعوره بالخوف، فيضطرب بدعوى أن الرمل ساخن، وأنه لا يقوى على تحمله، ولذا نقوم برفعه بسرعة، لأن التوتر هنا خطر عليه، فقد يؤدي إلى ضيق التنفس، ومن ثم يتعرض للإغماء، ولذا نستمر في متابعة المريض على مدار الساعة وبعدها نرفع الرمال من فوق جسده برفق وبمجرد أن ننتهي من ذلك نقوم بتغطيته في الحال منعا لإصابته بتيار هواء بارد ما قد يصيبه بعواقب خطيرة، ويبقى المريض بغطائه لمدة ساعتين”.

وخلال ذلك الوقت القصير في الحفرة الساخنة والذي لا يتجاوز الربع ساعة، يستفيد المريض من العناصر والمعادن المتواجدة بالرمال مثل الحديد والكالسيوم وتخرج من جسمه كميات من المياه الزائدة والسموم.

ويقول حسن “بعدها نخرج المريض من الحفرة وننفض عنه ما علق به من رمل وتقع تغطيته ببطانية لأنه بعد خروجه من حمام الرمال يشعر بأن الجو -مهما كانت حرارته- شديد البرودة ولذلك نغطيه وننقله إلى خيمة مغلقة لتكون بمثابة الساونا، ونعطي له مشروب الحلبة والينسون والعرقسوس وكلها مشروبات ساخنة، ويستمر في تناول المشروبات الساخنة، وبعد ذلك نقدم له وجبة الغداء المكونة من حساء الماعز وبعض لحوم الطير والسلطة كذلك، وتكون وجبة العشاء من الشوربة واللحوم والسلطة”.

سياحة وعلاج في الرمال المصرية

 

وفي كل جلسة يتم ردم المريض لمدة ربع ساعة، وبعد الانتهاء من حمامات الرمال يوضح حسن “نقوم بمساج (تدليك) للمريض بزيت الزيتون وخل التفاح.. ويجب على المريض ألا يستحم لمدة يومين بعد حمامات الرمال حتى يستفيد الجسم من الرمال”.

ويقول المعالج سعيد محمد “نتولى أمر المريض سواء كان رجلا أو امرأة ومتابعته في جميع مراحل العلاج، وأحيانا نجد بعض الصعوبات في التعامل مع النساء إذا كانت مصرية أو عربية، ولذا نطلب من زوجها أن يتعاون معنا في تغطيتها وحملها وأحيانا نستعين بزوجاتنا لهذا الغرض منعا للحرج”.

وتقول الحاجة أم محمد التي تعمل في ردم السيدات “إن السيدات قلوبهن أقوى من الرجال.. قبل أن أقوم بردم المريضة أجعلها تشاهد حالات أخرى يتم ردمها أمامها حتى يزول عنها الخوف. وحين أرى سيدة خائفة، أنصحها بتأجيل الردم إلى يوم آخر”.

وحول ما يشاع عن إمكانية معالجة العقم بحمام الرمال، تقول أم محمد “نحن لا نعالج العقم، ولكن فقط تأخّر الإنجاب، حيث تقوم الرمال الساخنة بعملية تنشيط للبويضات عند المرأة وتنشيط المني عند الرجل”.

وعن المرضى الذين يترددون على سيوة للعلاج بالرمال، يقول عبدالرحمن الشرابك “يتردد علينا مرضى من جميع أنحاء العالم خاصة خلال السنوات الخمس الأخيرة حيث اشتهرت سيوة بالعلاج بالرمال ليأتي إلينا مصريون من جميع المحافظات وعرب من ليبيا والسعودية واليمن وأجانب من أوروبا خاصة الألمان وهم أكثر الجنسيات الأوروبية ترددا علينا”.

 

جدوى العلاج

 

يزعم المعالجون بالرمال أن طقس سيوة الجاف والأملاح المعدنية الموجودة في الرمال والماء كلها عوامل تسهم في عملية العلاج.

وقال أكبر معالج وأكثرهم خبرة ويدعى هلال إبراهيم إن سخونة الرمل وارتفاع درجة الحرارة إلى نحو 40 درجة مئوية يعملان كالآلة التي تمتص السموم من جسم المريض.

اشعاعات مفيدة لبعض الأمراض المزمنة

 

وقال مريض يعاني من الروماتيزم يدعى السيد حسن إنه كاد يُصاب باليأس بعد أن فشلت العلاجات التقليدية في تخفيف حالته.

وقال مريض آخر يدعى ناجي الشامي إن العلاج نفعه بالفعل. ولا يقتصر الأمر على من يعانون آلام المفاصل فقط حيث يسعى مرضى الكبد والأمور ذات الصلة بالقدرة الجنسية إلى العلاج بالحمامات الشمسية.

وأعدت وزارة البيئة المصرية دليلا للعلاج بالحمامات الرملية الساخنة في الواحة، وتقول الوزارة إن الحمام الرملي عبارة عن علاج شعبي تقليدي توارثته الأجيال بواحة سيوة، وقد أثبت نجاحه من خلال التجارب السابقة لعلاج الكثير من الأمراض ومن أهمها الرطوبة والروماتيزم وآلام الظهر والغضروف والعمود الفقري.

ويقول مسؤولون بمديرية السياحة في سيوة، إن العديد من الدراسات والأبحاث العلمية أجريت على رمال جبل الدكرور وعيون المياه والآبار المليئة والغنية بالمواد المعدنية والكبريتية بسيوة وحول دورها في العلاج، وقد بيّنت الأبحاث احتواءها على إشعاعات مفيدة لعلاج بعض الأمراض المستعصية.

ويؤكد كمال علي، الأستاذ في كلية العلوم بجامعة جنوب الوادي، أن العلاج بالرمال وإن كان قديما وتقليديا إلا أن العلم الحديث أثبت جدواه “للرمال دور علاجي لأنها تحتوي على نسبة من المعادن الطينية التي تتولد عنها شحنات سالبة عندما تلامس الماء حيث تجذب شحنات السموم الموجبة من طبقات الجلد الخارجية”.

ويضيف قائلا “إن وجود نسبة بسيطة من المعادن المشعة، مثل المونازايت والثوريوم، التي تفيد في علاج الأمراض الجلدية والعظام على وجه الخصوص، ووجود تركيزات بسيطة من العناصر المفيدة لجهاز المناعة مثل الأسترانشيوم والسلينيوم والكبريت، وأخيرا تكون الأشعة الشمسية فوق البنفسجية مفيدة لجسم المريض، وكل هذه العناصر تخلق بيئة علاجية جيدة، ولذلك تنفع الرمال في علاج العديد من الأمراض”.

ويحذر كمال علي من أنه يجب أن يراعى عدم وجود تقرّحات أو جروح غير ملتئمة على الجسم قبل الحمام الرملي، كما يحذر من أن هذا النوع من العلاج لا يصلح لمرضى القلب، ولا من كانت عنده كسور حديثة، حيث أن العلاج بالرمال يفتح الكسور، فلا بد من مرور فترة زمنية لا تقل عن عامين على التئام الكسر ليستطيع المريض ممارسة العلاج بتلك الطريقة.

وعلى الجانب الآخر يقول عزت الحاوي، أستاذ جراحة العظام والعمود الفقري بجامعة عين شمس، “إلى الآن لا توجد دراسات مستفيضة لمتابعة المرضى بعد شفائهم وتأثير فعل الرمال عليهم لفترات طويلة، لكنني أعتقد أن تأثير حمامات الرمال مؤقت وليس علاجا نهائيا”.



التصنيف : الصحة و الحياة

اترك تعليقا :

كل الحقوق محفوظة ل IRAQIBBC صحيفة العرب

استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل