انحلال سوريا: الحذر من نظام جديد متخلفة ومجتمع مفكك وعديم القدرة على معالجة نفسه

assad-interview.jpg777

بقلم: يعقوب عميدرور

 

 

 

 

نظرة أعمق الى الاحداث في سوريا تطرح بعض الافكار عن المستقبل المرتقب للمنطقة بشكل عام ولاسرائيل بشكل خاص بسبب ما يجري هناك، فيما ان الحدث الاول هو انتشار القوات الروسية في سوريا. هذا يحصل لاول مرة منذ السبعينيات من القرن الماضي وبالتنسيق المسبق مع ايران. وليس صدفة ان اتخذ القرار في ذلك بعد توقيع الاتفاق بين الولايات المتحدة وايران، والذي اعطى ايران الشرعية الدولية التي بحثت عنها. ونشأ عمليا حلف عملي بين ايران وروسيا في المنطقة، حتى وان لم يذكر كذلك.

 

 

جملة من الاسئلة تثار عقب الوضع الجديد. أولا، ما معنى مثل هذا الحلف بالنسبة لتعزيز ايران في المنطقة وقدرة اسرائيل على منع تعزيز ايران وحزب الله تحت المظلة الروسية؟ الى اي مدى ستستغل ايران الحلف العملي الجديد وتدحر اسرائيل الى الزاوية؟ الى اي مدى ستعاني اسرائيل من سلوك شاذ لايران وحزب الله، حيال الوضع المعقد، في ضوء تواجد الروس في المحيط؟ واذا ما ردت اسرائيل بشدة، فماذا ستفعل روسيا؟ هل ستبقى بالفعل لامبالية تجاه نشاط اسرائيلي عنيف في المنطقة التي توجد فيها، وتوجد لها ظاهرا مساحة من المسؤولية عما يجري فيها؟ كل هذه المسائل ستفحص في الواقع بشكل عملي.

 

 

من شأن العمل الروسي ان يؤدي الى تغيير في علاقات القوى في المنطقة نفسها. فالروس يهاجمون الثوار السنة من كل الانواع، دون أي صلة بمدى انتمائهم لداعش، لحقيقة أن الولايات المتحدة تواصل هجومها عليه في العراق اساسا. المعنى هو ان السنة في سوريا وفي العراق، من شأنهم ان يشعروا انفسهم مضغوطين بين حلف الروس مع العلويين وحلف الولايات المتحدة مع ايران (في المجال النووي)، فيعززوا داعش بالذات. اذا كانت هذه هي النتيجة، فان الوضع في المنطقة سيتدهور حتى اذا ما كانت نجاحات تكتيكية للروس او للولايات المتحدة في استخدام القوة الجوية.

 

 

الحدث الثاني هو زيادة تواجد الايرانيين وحزب الله في سوريا، تحت المظلة الروسية. ولنتيجة مثل هذه الخطوة وجهات: الوجه الاول يرتبط بحرية عمل حزب الله وجودة قتاله في المستقبل. من جهة، تنشغل المنظمة اليوم جدا في قتال شديد في سوريا، ليست لها القدرة على فتح جبهة اخرى امام اسرائيل، وهي محدودة في ردود فعلها حتى عندما تنفذ عملية عنيفة ضد رجالها او ضد أسلحتها في سوريا. فضلا عن ذلك فقد تكبدت المنظمة خسائر فادحة جدا في القتال في سوريا – نحو الفي قتيل وبضعة الاف من الجرحى. وبالنسبة لمنظمة عدد مقاتليها، في افضل الاحوال مع رجال “الاحتياط”، لا يصل الى 50 الف – فان هذه كميلة كبيرة جدا.

 

 

من جهة اخرى فان القتال المكثف في سوريا يمنح حزب الله تجربة تنقصها؛ فقد ترى هناك جيل من القادة شهدوا قتالا شديدا، والمنظمة تشتري ما ينبغي كي تصبح ذات قدرة افضل.

 

 

لم تلتقي اسرائيل ابدا في ميدان المعركة منظمة مجربة بهذا القدر في القتال مثل حزب الله بعد التدخل في سوريا. وهذا صحيح بالنسبة للقسم النظامي من حزب الله مثلما هو صحيح ايضا بالنسبة لرجال الاحتياط الذين يخرجون من العمل في الحقول الى الخدمة في سوريا ويعودون الى ديارهم بعد بضعة اشهر من القتال. ماذا سيكون معنى هذا التغيير في ميدان المعركة البري ضد الجيش الاسرائيلي في يوم الامر؟ صحيح هو التقدير بان حزب الله سيعبر في حينه عن تجربته ولن يكون ذات المنظمة التي قاتل الجيش الاسرائيلي ضدها في 2006. حزب الله بعد القتال في سوريا سيكون جوزة اعند على الكسر.

 

 

الوجه الثاني من التغيير في مستوى تدخل ايران وحزب الله وجد تعبيره في تعزيز الموقع المتمثل بهذا الارتباط الخطير، في سوريا بشكل عام وفي الجولان بشكل خاص. والخطر الاكبر هو انه تحت المظلة الروسية، حتى دون طلب موافقة روسيا، سيبني حزب الله وايران قاعدة هجومية ضد اسرائيل، مثابة نسخ للجبهة اللبنانية الى جنوب سوريا. هذا خطر حقيقي لان الجيش الاسرائيلي سيكون ملزما بمضاعفة جهوده والعمل ضد جبتهتين، وسيكون اصعب العمل في دولة تنتشر فيها قوات روسية، تقاتل الى جانب حزب الله والايرانيين.

 

 

دولة عالم رابع

 

 

الحدث الثالث هو حدث متواصل لا يتوقف، انحلال سوريا والحركة الهائلة للمواطنين السوريين في داخل سوريا وخارجها كنتيجة لذلك. ويدور الحدث عن ملايين عديدة، على ما يبدو اكثر من كل مواطني اسرائيل معا. وفضلا عن الكمية الكبيرة من اللاجئين في داخل سوريا نفسها، فان نحو 4 مليون لاجيء يتواجدون في معسكرات بائسة في الدول المجاورة، الاردن، تركيا ولبنان.

 

 

اللاجئون هم عبء ثقيل على دول فقيرة وصغيرة مثل لبنان والاردن. لدى الاخيرة هم مصيبة للاقتصاد، وفي لبنان من شأنهم ان يغيروا التركيبة الديمغرافية، بزيادتهم كمية السُنة بشكل دراماتيكي. وبالمقابل، في سوريا من شأن حركة الجماهير هذه ان تغير كل الميزان بين الطوائف. عند اندلاع الحرب كان العلويون نحو 12 في المئة من اجمالي سكان سوريا – ماذا ستكون مكانتهم بعد أن يكون ملايين السنة قد انتقلوا الى دول مجاورة والى اوروبا؟ ماذا سيحصل عندما تتغير النسبة دراماتيكيا، لدرجة أن يصبح العلويون ربع السكان المتبقين في سوريا؟ واستمرار العملية سيجعل سوريا دولة فارغة من معظم سكانها، والقلة الذين سيبقون سيعيشون في مكان مختلف تماما. والمعنى؟ جيل كامل من السوريين الشبان يضيعون من كل ناحية، ممكنة. ما معنى مجتمع ليس فيه قانون ونظام منذ بضع سنوات وليس فيه منظومات قانون حقيقية؟ اسرائيل ستضطر للعيش، في نهاية مسيرة طويلة، بجيرة دولة حتى في العالم الثالث ستعتبر متخلفة، مجتمع مفكك وعديم القدرة على معالجة نفسه. هذا على ما يبدو هو المصير المرتقب لسوريا، اذا ما كان ممكنا على الاطلاق وقف القتال فيها (انا في شك).

 

 

ان استمرار القتال في سوريا المفككة، تعزيز موقع حزب الله وايران وانتشار قوة روسية هامة في سوريا يستدعي تفكيرا اضافيا حول المصلحة الاسرائيلية في نتيجة الصراع الوحشي في الدولة المجاورة. فالقرار بعدم الانجرار الى القتال بين السوريين وبين انفسهم وعدم المبادرة الى قتال ضد حزب الله وايران، رغم الخطر الذي في موقفهما الجديد في سوريا، كانا صحيحين في وقته. ويبدو أن اليوم ايضا، فان التصميم لمنع نقل السلاح محطم التوازن الى حزب الله يجب أن يستمر.

 

 

ولكن لعله من المجدي التفكير بعمق اكبر في مسألة التسوية بعيدة المدى الاقل ضررا لاسرائيل. وذلك ضمن امور اخرى إذ يحتمل ان قريبا سنرى محادثات على مستقبل سوريا بمشاركة كل الدول ذات الصلة، بما فيها ايران والولايات المتحدة. من المجدي ان توضح اسرائيل في اقرب وقت ممكن ما هو موقفها من الموضوع، حتى لو لمن تشارك في المفاوضات نفسها، وحتى لو كان احتمال تحقيق تسوية بين السنة والعلويين، الايرانيين والسعوديين، الاتراك والامريكيين، صفري للغاية.

 

اسرائيل اليوم  30/10/2015



التصنيف : جريدة القُرّاءْ \ أراء ومقالات

اترك تعليقا :

كل الحقوق محفوظة ل IRAQIBBC صحيفة العرب

استضافة مجانية من موقع مدونات عبر ! | الموقع غير مسؤول عن محتويات المدونة، فقط صاحب المدونة يتحمل كامل المسؤولية عن مضامينها | التبليغ عن مخالفة- Report copyright abuse | سياسة الخصوصية |نسخة الموبايل